فخر الدين الرازي
31
تفسير الرازي
يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرِّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ * ذلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ) * . قال صاحب " الكشاف " * ( ذلك ) * خبر مبتدأ محذوف أي الأمر والشأن ذلك كما يقدم الكاتب جملة من كلامه في بعض المعاني فإذا أراد الخوض في معنى آخر قال هذا وقد كان كذا ، والحرمة ما لا يحل هتكه وجميع ما كلفه الله تعالى بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها يحتمل أن يكون عاماً في جميع تكاليفه ، ويحتمل أن يكون خاصاً فيما يتعلق بالحج ، وعن زيد بن أسلم الحرمات خمس : الكعبة الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمشعر الحرام ، وقال المتكلمون ولا تدخل النوافل في حرمات الله تعالى : * ( فهو خير له عند ربه ) * أي فالتعظيم خير له للعلم بأنه يجب القيام بمراعاتها وحفظها ، وقوله : * ( عند ربه ) * يدل على الثواب المدخر لأنه لا يقال عند ربه فيما قد حصل من الخيرات ، قال الأصم فهو خير له من التهاون بذلك ، ثم إنه تعالى عاد إلى بيان حكم الحج فقال : * ( وأحلت لكم الأنعام ) * فقد كان يجوز أن يظن أن الإحرام إذا حرم الصيد وغيره فالأنعام أيضاً تحرم فبين الله تعالى أن الإحرام لا يؤثر فيها فهي محللة ، واستثنى منه ما يتلى في كتاب الله من المحرمات من النعم وهو المذكور في سورة المائدة ، وهو قوله تعالى : * ( غير محلى الصيد وأنتم حرم ) * وقوله : * ( حرمت عليكم ) * وقوله : * ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ) * ( الأنعام : 121 ) ، ثم إنه سبحانه لما حث على تعظيم حرماته وحمد من يعظمها أتبعه بالأمر باجتناب الأوثان وقول الزور . لأن توحيد الله تعالى وصدق القول أعظم الخيرات ، وإنما جمع الشرك وقول الزور في سلك واحد لأن الشرك من باب الزور ، لأن المشرك زاعم أن الوثن تحق له العبادة فكأنه قال فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور ، واجتنبوا قول الزور كله ، ولا تقربوا منه شيئاً لتماديه في القبح والسماجة ، وما ظنك بشيء من قبيله عبادة الأوثان وسمى الأوثان رجساً لا للنجاسة ، لكن لأن وجوب تجنبها أوكد من وجوب تجنب الرجس ولأن عبادتها أعظم من التلوث بالنجاسات . ثم قال الأصم إنما وصفها بذلك لأن عادتهم في المتقربات أن يتعمدوا سقوط الدماء عليها وهذا بعيد وقيل إنه إنما وصفها بذلك استحقاراً واستخفافاً وهذا أقرب ، وقوله : * ( من الأوثان ) * بيان للرجس وتمييز له كقوله عندي عشرون من الدراهم لأن الرجس لما فيه من الإيهام يتناول كل شيء ، فكأنه قال فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان ، وليس المراد أن بعضها ليس كذلك ، والزور من الزور والإزورار وهو الانحراف ، كما أن الأفك من أفكه إذا صرفه ، والمفسرون ذكروا في قول الزور